نصر حامد أبو زيد
22
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
قال وكذلك السّنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه والقول بالسعاية وخلافه « 1 » ، وقتل المؤمن بالكافر ، ولا يقتل مؤمن بكافر ، وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب . قال : ولو قال إن القاتل في النار كان مصيبا ، ولو قال هو في الجنة كان مصيبا ، إذ كان انما يريد بقوله إن اللّه تعبده بذلك وليس عليه علم الغيب . وكان يقول في قتال علي لطلحة والزبير وقتالهما له : إن ذلك كله طاعة اللّه تعالى » « 2 » . ولسنا نظن أن أحدا من المسلمين اليوم يتقبل هذا الموقف « اللاأدري » ، كما أننا لسنا نظن أن تبني أحد هذه المواقف المذكورة والدفاع عنه ، وهي مواقف صيغت في الماضي في واقع مختلف ، يمكن أن يحل اشكاليات اليوم في الثقافة الاسلامية المعاصرة . إن إعادة طرح السؤال : ما هو الاسلام ؟ من خلال البحث عن مفهوم للنص هو بمثابة التساؤل عن « هويتنا » الحضارية في التاريخ ، سواء كنا مسلمين أم كنا مسيحيين ما دمنا نعيش واقع هذه الثقافة العربية الاسلامية بمكوناتها التاريخية . ولا نتوقف طويلا أمام من يضرون على إقامة تعارض زائف بين العروبة والاسلام ، فعلى هؤلاء - ان استطاعوا - أن ينكروا عروبة النصوص الدينية ، وعليهم - إن استطاعوا - أن يتجاهلوا الحقائق التاريخية لعروبة حامل الرسالة ومتلقيها الأول ، ولعروبة المخاطبين بالوحي . والقول بعروبة الاسلام لا يتجاهل اسهامات « غير العرب » ، غير أن مفهوم « غير العرب » هنا مفهوم غير دقيق إلا إذا كان مفهوم العروبة يقوم على « العرق » و « الجنس » ولا يقوم على أساس « الثقافة » . ومن الواضح أن الذين يفصلون بين العروبة والاسلام يفهمون العروبة فهما عرقيا جنسيا متناسين أن « النقاء » الجنسي والعرقي أسطورة ووهم . إن معيار التصنيف بين الأمم والشعوب يجب أن يكون « الثقافة » وأهم أدواتها « اللغة » . فإذا نظرنا للاسلام من خلال منظور الثقافة تبدّد ذلك الوهم الزائف الذي يفصل بين العروبة والاسلام « 3 » . ومن منظور « الثقافة » فالاسلام
--> ( 1 ) « القرعة » و « السعاية » مصطلحات فقهية خاصة في باب « العتق » ، ويرتبط المصطلح الأول بما فعله النبي حين بلغه أن رجلا أعتق كل عبيده عند موته ، ولم يكن له مال سواهم ، فأقرع النبي بينهم حتى أعتق بعضهم ( انظر : صحيح مسلم ، الجزء الخامس ، ص : 97 ) . أما « السعاية » فهي جواز أن يستسعي السيد العبد - في غير مشقة - تمهيدا لعتقه ، فيكون العبد بذلك قد أعتق نفسه بالسعي . وواضح أن الخلاف بين الفقهاء كان حول جواز الأمرين وعدم جوازهما في العصور المتأخرة ( انظر : صحيح مسلم ، الجزء الرابع ، ص : 213 ) . ( 2 ) ابن قتيبة : تأويل مختلف الحديث ، ص 55 - 57 . ( 3 ) إن الفصل بين العروبة والإسلام ينطلق من مجموعة من الافتراضات المثالية الذهنية : أولها عالمية الإسلام وشموليته من دعوى أنه دين للناس كافة لا للعرب وحدهم . ورغم أن هذه الدعوى مفهوم مستقر في الثقافة فإن إنكار « الأصل » العربي للإسلام وتجاوزه للوثب إلى العالمية والشمولية مفهوم -